الوضع المظلم
الأحد ٠٣ / مايو / ٢٠٢٦
Logo
عندما تصبح الحكمة
إبراهيم جلال فضلون

​في زمن الرمال المتحركة وتحلل التحالفات التقليدية، تقف المملكة العربية السعودية اليوم كمرساة الاستقرار الوحيدة في محيط متلاطم، محولةً ثقلها الجغرافي والاقتصادي إلى صمام أمان للنظام الإقليمي والدولي، ف "الثبات السعودي" بات يمثل حجر الزاوية في هندسة التوازنات العالمية، وكما أننا أمام الصمود في عين العاصفة، فما نشهده اليوم، ليس مجرد "مناوشات"، بل هو "زلزال جيوسياسي" يستهدف الشريان الأبهر للاقتصاد العالمي، فدول الخليج، وتحديداً السعودية والإمارات، لا تدير أزمة عابرة، بل تدير "استراتيجية بقاء" لمنظومة الطاقة العالمية، لكن السؤال: ​ إلى متى تستطيع دول الخليج الصمود؟ وما هو الحد الفاصل؟.

إن القدرة على الصمود هُنا نسبية، ولا تُقاس بالأيام، بل بـ "المصدات المالية" و "العمق الاستراتيجي"، ف​اقتصادياً (المصدات المالية)، ​تمتلك السعودية والإمارات أصولاً سيادية ضخمة، (صندوق الاستثمارات العامة السعوديPIF ) بأصول تتجاوز 925 مليار دولار، وجهاز (أبوظبي للاستثمارADIA ) بنحو 990 مليار دولار. و​الحد الفاصل، هو وصول "العجز المالي" إلى نقطة لا يمكن تغطيتها بالسحب من الاحتياطيات أو الاقتراض، وتستطيع هذه الدول الصمود تحت ضغط "توقف جزئي" للصادرات لمدة تتراوح بين 18 إلى 24 شهراً دون انهيار هيكلي، بفضل تصنيفاتها الائتمانية القوية.. لكن ​المُؤشر الحرج، أنهُ إذا انخفضت الصادرات بنسبة تزيد عن 60% لمدة تتجاوز 6 أشهر، هنا نصل إلى "منطقة الخطر المالي" التي ستبدأ في التأثير على مشاريع الرؤية (2030 و2031).

​ومن الناحية الدفاعية (الاستنزاف العسكري)، ​الحد الفاصل هو "معدل الاستهلاك مقابل التوريد" لصواريخ الاعتراض Patriot وTHAAD  إذا زادت كثافة الهجمات لتصل إلى "إغراق صاروخي" (Saturating attacks) بأكثر من 50 مقذوفاً يومياً على المنشآت الحيوية، فإن المخزون الاستراتيجي قد يواجه ضغطاً حاداً خلال 3 إلى 5 أشهر، ما لم يتم فتح جسور جوية فورية للإمداد من الحلفاء.

​إن الخطر الحقيقي، ليس في تدمير المنشأة، بل في "ارتفاع تكلفة التأمين والشحن" التي قد تجعل النفط الخليجي "غير مجدٍ اقتصادياً" حتى لو كان متاحاً. وفي حال تم تفعيل الجيش العربي الموحد يكون لمصر الأثر الأكبر كبديل أمن لقواعد الولايات المتحدة التي خزلت دول الخليج.

وسيتم بلوغ ذروة الخطر في حال حدوث الإغلاق المزدوج، لاسيما بعض الفشل الأمريكي في حماية المضيق وسحب بوارجها واستدعاء السفن الأمريكية من اليابان، وطلب الولايات المتحدة من الدول حماية المضيق، وبما يعني إغلاق مضيق هرمز تزامناً مع تعطيل كامل لخطوط الأنابيب عبر البحر الأحمر (بسبب تهديدات الحوثيين)، يكون ذلك ​التوقيت المتوقع في حال استمرت وتيرة التصعيد الحالية دون تدخل دولي حاسم، وهُنا "نقطة الغليان" قد تُبلغ خلال الربع الأخير من عام 2026، حيث ستتقاطع الضغوط العسكرية مع استنزاف الميزانيات الدفاعية.

هناك مخاطر جيوسياسية، كما أشرنا سابقاً، وتأكيداً على رؤيتي التي تحققت، فإن أسعار النفط لم تكن لتقف عند حدود المنطق الاقتصادي (عرض وطلب)، بل تحركت بوقود "علاوة المخاطر الجيوسياسية". والواقع الحالي أثبت كسر برنت حاجز الـ 100 دولار وصولاً لـ 120 دولاراً مع اشتداد الهجمات على منشآت الفجيرة وإغلاق هرمز، ​وإذا استمر "إغراق" صواريخ الاعتراض أو حدث تعطيل كلي للمضيق، فإننا نتحدث عن منطقة "المجهول السعري" التي قد تتجاوز 150 دولاراً، وهو ما سيعني "ركوداً تضخمياً" يضرب العالم أجمع. وهنا نجد ​سلاسل الإمداد في آسيا هي "المأزق الياباني-الصيني"، ف​آسيا هي "الضحية الأولى" اقتصادياً في هذا الصراع، والبيانات الإحصائية لا تجامل أحداً.

لن تذهب دول الخليج إلى "انتحار عسكري" مفتوح كونها دول تًحب السلام، بل ستتحرك وفق مسارين متوازيين، الأول: ​تدويل الأزمة (الخيار الاقتصادي القاتل): بما أن اليابان تعتمد بنسبة 96% على نفط الخليج، والصين هي المستورد الأكبر، ستضع دول الخليج القوى العظمى أمام مسؤولياتها "إما حماية التدفقات أو انهيار الاقتصاد العالمي". هنا سيتحول الصراع من "خليجي-إيراني" إلى "دولي-إيراني" لحماية الملاحة.

ثانيًا: ​الدبلوماسية الخشنة (المفاوضات تحت النار)، فقد تلجأ دول الخليج لمفاوضات ثنائية، لكنها ستكون مفاوضات "توازن الردع" من موقف قوة المملكة ومكانتها أي موقف "المتحكم في صنبور الطاقة العالمي".

​إن الرد الجراحي لا الشامل سيكون عند بلوغ الذروة، مع هجمات "جراحية" تستهدف مراكز الثقل الاقتصادي الإيراني (مثل محطة خرج النفطية) لإيجاد حالة من "توازن الألم"، مما يجبر طهران على العودة لطاولة المفاوضات.

​ومن المتوقع للرؤية الاستشرافية، وفق المعطيات الواقعية على الأرض، من المتوقع أننا نتجه نحو ستاتيكو جديد، فعلى الصعيد العالمي، ستضطر اليابان وكوريا الجنوبية للضغط على واشنطن لإنشاء "تحالف بحري دائم" يتجاوز المهمات المؤقتة. ​إقليمياً سيزداد الاعتماد على "الربط السككي والبري" مثل ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا IMEC كبديل استراتيجي طويل الأمد للمضايق المائية.

و​في ظل "حرب الاستنزاف" في الخليج، لا تتحرك مصر كمتفرج، بل كـ "عمق استراتيجي" وممر إلزامي لا غنى عنه عبر ​قناة السويس وأنبوب "سوميد" (SUMED) في حال تعثر الملاحة في الخليج، كشريان حياة بقدرة نقل تصل لـ 2.5 مليون برميل يومياً. مصر هنا هي "الباب الخلفي" الآمن للنفط العربي المُتجه لأوروبا والأمريكتين، ولا ننسى أن الدور الدفاعي (البحر الأحمر) مرتبط الأمن عضويًا بأمن "باب المندب"، فأي تهديد للصادرات السعودية عبر البحر الأحمر يمس مباشرة عوائد قناة السويس (التي تدر قرابة 9-10 مليار دولار سنوياً). لذا، مصر هي "الشريك الضامن" في أي تحرك عسكري أو دبلوماسي لتأمين الملاحة.

​وقفة: دول الخليج تمتلك "نفساً طويلاً" بفضل ثرواتها السيادية، لكن "منطقة الخطر" ليست في نقص المال، بل في "تآكل الثقة العالمية" في أمن الإمدادات، وسيسجل التاريخ أن حكمة القيادة السعودية كانت هي الجدار الذي منع انهيار المنظومة الإقليمية أمام رياح الفوضى الأمريكة الإسرائيلية المطلقة، محولةً المملكة من قلب الجزيرة العربية إلى قلب القرار العالمي.

ليفانت:ا. د: إبراهيم جلال فضلون

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!